الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

169

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الْهُدى [ الإسراء : 94 ] جمعا بين المانع الظاهر المعتاد من الهدى وبين المانع الحقيقي وهو حرمان التوفيق من اللّه تعالى ، فمن أصرّ على الكفر مع وضوح الدليل لذوي العقول فذلك لأن اللّه تعالى لم يوفقه . وأسباب الحرمان غضب اللّه على من لا يلقي عقله لتلقي الحق ويتخذ هواه رائدا له في مواقف الجد . ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على جملة قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ [ الإسراء : 96 ] ارتقاء في التسلية ، أي لا يحزنك عدم اهتدائهم فإن اللّه حرمهم الاهتداء لما أخذوا بالعناد قبل التدبر في حقيقة الرسالة . والمراد بالهدى الهدى إلى الإيمان بما جاء به الرسول صلى اللّه عليه وسلّم . والتعريف في الْمُهْتَدِ تعريف العهد الذهني ، فالمعرف مساو للنكرة ، فكأنه قيل : فهو مهتد . وفائدة الإخبار عنه بأنه مهتد التوطئة إلى ذكر مقابله وهو وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ ، كما يقال من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا فلان . ويجوز أن تجعل التعريف في قوله : الْمُهْتَدِ تعريف الجنس فيفيد قصر الهداية على الذي هداه اللّه قصرا إضافيا ، أي دون من تريد أنت هداه وأضله اللّه . ولا يحتمل أن يكون المعنى على القصر الادعائي الذي هو بمعنى الكمال لأن الهدى المراد هنا هدي واحد وهو الهدي إلى الإيمان . وحذفت ياء الْمُهْتَدِ في رسم المصحف لأنهم وقفوا عليها بدون ياء على لغة من يقف على الاسم المنقوص غير المنون بحذف الياء ، وهي لغة فصيحة غير جارية على القياس ولكنها أوثرت من جهة التخفيف لثقل صيغة اسم الفاعل مع ثقل حرف العلة في آخر الكلمة . ورسمت بدون ياء لأن شأن أواخر الكلم أن ترسم بمراعاة حال الوقف . وأما في حال النطق في الوصل فقرأها نافع وأبو عمرو بإثبات الياء في الوصل وهو الوجه ، ولذلك كتبوا الياء في مصاحفهم باللون الأحمر وجعلوها أدق من بقية الحروف المرسومة في المصحف تفرقة بينها وبين ما رسمه الصحابة كتّاب المصحف . والباقون حذفوا الياء في النطق في الوصل إجراء للوصل مجرى الوقف . وذلك وإن كان نادرا في غير الشعر إلا أن الفصحاء يجرون الفواصل مجرى القوافي ، واعتبروا الفاصلة كل جملة ثم بها الكلام ، كما دل عليه تمثيل سيبويه في كتابه الفاصلة بقوله تعالى : وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ [ الفجر : 4 ] وقوله : قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ [ الكهف : 64 ] . وقد تقدم شيء من هذا عند قوله تعالى : عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ في سورة الرعد [ 9 ] .